لعنة بخع


+ الساعة السادسة جرحا إلا اختناق
+ على شفا حفرة  من الفراق
+ مقهى خاوي إلا من أنفاس متهالكه , ونادل يغالب النعاس
+ ملامح لـ وجهين والفقد يتربص بهما
+ قطرات مطر تروي جفاف الحديث
+ حقيبة يد وضعت بها جراحي وبضع آهات مكلومة
+ رسائل تختبئ في جوف كتاب بين يديه
+ طاولة مستديرة خلفها مقعدين نرمي عليها أجسادنا وثالث يحمل أحلامنا المبتورة وخيباتنا
+ كوبين من ” القهوة ” داكنة : كما بدت كل الدنيا في أعيينا , مرة : أشبه بـ دواء  نتجرعه لـ نشفى
عميقون نحن !
حتى في اللحظات الأخيرة نصر أن نرتشف الشيء ذاته وإن لم نعتده
كأننا نتهيأ لأمر أشد مرارة وأعظم عتمة .. ربما

( رائحة القهوة – الرسائل – المطر – ذلك النادل المتعب – الطقس – عقد الياسمين )

** أشياء كثيرة ترهقني أشعر أنها تتواطأ مع الغياب !


[ ارتشافة أولى ]

لم أكن لـ أحب .. لو لم يكن !
كنت اعتنق تلك الفكرة التي ترضي غروري بأني لاأزال صغيرة على الحب
كما أني أخشى ذلك الحب , أخشاه كثيراً
لم أكن لـ أثمل القهوة .. لو لم يكن !
فأصبحت أشعر بـ لذتها منذ ابتدأنا نحتسيها معا
لم أكن لـ أتوق بشغف لـ تخرجي وشهادتي .. لو لم يكن !
هو من وضع بذور النجاح في روحي وسقاها من أضلعه بـ انتماء
لم أكن لـ أعيش 3 مراحل مختلفه في آنٍ واحد .. لو لم يكن !
طفلة : تركض مرحا , تبكي إن طال غيابه , تتوسد أضلعه وتغرق في سبات
مراهقه : يغريها السهر بـ صحبة تفاصيلك أشعارا كانت أو روايات
ناضجة : تأخذ بيديك , تهديك الحكمة , تزرع وردا في الطرقات
لذا لن أبكي فأنا دائما ما أبكي أمامه على أتفه الأشياء لذا بكائي عليه ابتذال
عدت لأتوه بـ عيني أبحث عن أي شيء القي بصري عليه هربا من عينيه
فلم أجد إلا رصيفا مثقلا بـ خطوات العابرين .
تنهيدة عميقة .. واتمتم :
لم أكن لـ أبدأ أبدا .. لو علمت بما تحمله لنا النهايات !

[ ارتشافة ثانية ]

يأتي طفلا يحمل طوقا من الياسمين ويقبل نحونا على استحياء
ليته يعلم أننا نحيك ثوب الفراق وقد نحتاج الياسمين لنضفي على ذكرياتنا عبق
فليست اللقاءات الجميلة وحدها مصحوبة بالورد
ابتاع لي ذلك الطوق , وحمل خصلات شعري بين يديه ليقلدني إياه
ثم عاد ليحررها كما كانت .. يا الله كم كنت انزف وجعا
جلس على مقعده كما كان يحاول عبثا أن يسرق من وجوه المارة كلمات .. يشهق أنفاسه
بسكون يزفر ” آه ” تتبعها الحسرة , يكبلها كبرياء رجل شرقي
لايبكي إلا وحيدا , يغمره دمع رقراق
يؤرقه صمتي .. وينهكه ذبولي .. يمد يديه داخل ذلك الكتاب ينفض عنه الحنين
ويهديني بضع أوراق يرجوني أن احتفظ بها !
كأنه لايعرف كيف أخبئ أبجديته تحت وسادتي لأنام بعمق
كأنه نسي كيف أتباهى بها أمام صديقاتي
وكيف أتهادى جذلا وأنا احملها بين يدي
شكرته كما يشكر الغرباء بعضهم البعض : شكراً وطيف ابتسامه

[ ارتشافة أخيرة ]

تك .. تك .. تك .. تك ..
وقصدت ارتداء حذائي الأسود ذو الكعب العالي .. كما تعمدت أن أشد على كبريائي
وأجر مابقي بي من قوة كي يخبو نحيب أضلعي خلف وقع خطاي فلا تسمع إلا ما أريده
أريد أن نفترق .. وأنا في عينيك كما كنت غيمه لاتهطل إلا فرحا
أريد أن نفترق .. ويبقى وجهي في ذاكرتك مشرقا لايشوبه حزنا
أريد أن نفترق .. وبسمة تعلو محيانا كلانا تسولناها من ماض لن يعود
أريد أن نفترق .. قبل أن يذوب صبري وارتمي على صدرك كـ طفلة أعياها الحنين
أريد أن نفترق .. قبل أن ترتطم أبجديتك بـ صمتي أو عجزي ربما
أريد أن نفترق .. والحب يطوقنا لآخر رمق
أريد أن نفترق .. لا لا هم يريدونا أن نفترق

وافترقنا كما كان من المفترض لم يرد ولم أرد ولكن هذا ماقد حصل منذ ولدت أنا وما بقي في حياتي حبيب إلا وقد رحل

اخرجت من حقيبتها رسالة بدت من صفرة أوراقها قديمة وكأنها رسالة بعمرها لكنها رسالة لم تقرأ بعد
فضتها وأخرجت محتواها وارتشفت رشفه مرة من قهوتها وبدأت بقرائتها ..

[ عمتي صباحا يا ابنة المنافي , أو مساء إن كان نهارك نائما , وإن كنتِ لاتلقين لتقلب مزاج الوقت بالا فاعتبري هذه التحية استهلالا طيب القلب لرسالة غمطت حق العين كثيرا ودعت للنوم: أمنية هشة.
هل تعلمين يارفيقة ؟ الكتابة لك تشبه السقوط من عل تحتاج لجرأة أكثر من كل شيء , وأين أنا عن الجرأة , وأينها عني ؟ لايخفى عليك الوهن الذي يلقيه الوقت في قلوب الأشقياء فيتركهم متخبطين بعجزهم يصرخون في وجه النجاة وتصفعهم بظهرها !
من أين أجيء بجرأة تقتل هذا العجز الرديء ؟ وأنت تعلمين أننا عطشى للحضن والمواساة والليل الذي يأتي بحضنه يكون قد أخذ شيئا مقابل تعزيته هذه : ربما الوعي , أو حفنة من الروح تتركنا متعلقين في جدائل الحياة مدلدلي الأرجل.
هل تفقهين نداء ابن العشرين يا صديقتي ؟ هل تأولين ماوراء نداءه ؟
إنه يخفي شيئاً عظيما , شيئا لم ير في تاريخ البشرية , إنه نداء ليس كالنداء , نداء يشبه الوجه الآخر للحياة , يشبه خروج الروح من مسقط رأسها وولوجها في مسقط جديد بحلة جديدة .
هكذا يكون نداء ابن العشرين حين يزرع الملح في وجنتيه , هكذا يكون حين ينسى أن يتنفس ويجعل الاختناق منبها طيبا لصحوة حياته .
كان علي مع مكتوبي هذا أن أبعث لك صورة لابنتي التي تلازمني كظلي , الآن أخبرك عنها وقد مر على ولادتها سنتين وثمانية أشهر وستة أيام , طفلة شقية لا أحضنها إلا وتخدش جلدي بأظافرها الطويلة , لها ابتسامة تضرب أوتار البؤس في قلب السعادة, شعرها لاتوصف خشونته , ابنة تسببت بقتل أمها , كانت ولادتها عسيرة , فقد اجتمع سبعة أطباء على تلك الولادة , تخيلي ؟!! وكادت أن تسبب في قتلي لولا تدخل الأطباء في آخر لحظة !
أففففف ماذا أحكي عنها بعد ؟
ليست جديرة بالتربية فهي رغم براءتها إلا أن شكلها الطفولي أكبر من سنها بكثير , صوتها حين تناغي يبعث على السأم , تبدو كحنجرة غصت بلقمة كبيرة فخانتها الكلمات , ربما يكون وصفي لها قاسيا خصوصا وأنها طفلة لم تعِ الحياة بعد , لكنها مخيفة عندما أختلي بها , مخيفة بكل معنى الخوف , وفية بكل معنى الوفاء فهي لم تتركني رغم نفوري منها .

تخيلي لم أسجل لها اسماً حتى الآن ؟ كلما وجدت اسماً لها تخبرني تصرفاتها الغريبة أنه غير لائق !

مممم ما رأيك بـ ” بخع ” ؟ أظنه يليق بطفلة قتلت أمها , وكادت أن تكمل على أبيها , و لفظت أول أنفاسها في ظهر رحيلك . ]

مافارقت عيناها تلك الكلمات ولو للحظة واحده ، لم تدمع عيناها ولم تمتعض شفتاها و كأنها ما قرأت تلك الكلمات
تنهدت بعمق وكأنه نفس أخير .. آه يا والدي لو كنت تعلم مصيرك ومصير أمي ومصير تلك التي أحببتها ما أظنك كنت تركتني لأحيا …

وأطلقت سراح دمعة حبيسة في مقلتيها أظنها استقرت هناك منذ سنين ..


خرجت من المقهى فتبعتها حتى وصلت إلى أرض قفر مسورة بسور شائك انتظرت قليلا ثم دخلت أبحث عنها حتى وجدتها وحيدة شاردة الذهن تتوسد حضن مقبرة , حين رأتني علت وجهها ابتسامة صافية أذابت الشحوب الذي سكن ملامحها ، قصت لي قصة لعنة ” بخع ” ثم ودعتني ، قالت لي : من الأفضل لك أن تنساني فكل من عرفتهم يرقدون هنا بجانبي وليس من بينهم حي إلا أنا ..

وهكذا فارقتها ، لم أحاول يوما البحث عنها مخافة أن تقع علي لعنتها التي أغفلتني منذ 10 سنوات …

[ شوف القمر وجهه حزين ، والليل عياه الحنين ، والفرحه معكم ذاهبه ، يا غايبه ]